عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
137
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
يجعل صاحبها كمن لم يذنب ، أو لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم ، روي : أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يبغي لهما إداما ، وكان أسامة على طعامه فقال : ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال لهما : « ما لي أرى حضرة اللحم في أفواهكما » ، فقالا : ما تناولنا لحما ، فقال : « إنكما قد اغتبتما » فنزلت . يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى ) * من آدم وحواء عليهما السلام ، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب . ويجوز أن يكون تقريرا للأخوة المانعة عن الاغتياب . * ( وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ ) * الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل . والقبيلة تجمع العمائر . والعمارة تجمع البطون . والبطن تجمع الأفخاذ . والفخذ يجمع الفضائل ، فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، وعباس فصيلة . وقيل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب . * ( لِتَعارَفُوا ) * ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالآباء والقبائل . وقرئ « لتعارفوا » بالإدغام و « لتتعارفوا » و « لتعرفوا » . * ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقاكُمْ ) * فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص ، فمن أراد شرفا فليلتمسه منها كما قال عليه الصلاة والسلام « من سره أن يكون أكرم الناس فليتق اللَّه » وقال عليه السلام « يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على اللَّه ، وفاجر شقي هين على اللَّه » . * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ ) * بكم * ( خَبِيرٌ ) * ببواطنكم . قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وإِنْ تُطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) * ( قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا ) * نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ، وكانوا يقولون لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون . * ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) * إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ، ولم يحصل لكم وإلا لما مننتم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالإسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة . * ( ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة ، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا * ( ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * ، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم ، وقد فقد شرط اعتباره شرعا . * ( ولَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) * توقيت ل * ( قُولُوا ) * فإنه حال من ضميره أي : * ( ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد . * ( وإِنْ تُطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه ) * بالإخلاص وترك النفاق . * ( لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ ) * لا ينقصكم من أجورها . * ( شَيْئاً ) * من لات يليت ليتا إذا نقص ، وقرأ البصريان « لا يألتكم » من الألت وهو لغة غطفان . * ( إِنَّ اللَّه غَفُورٌ ) * لما فرط من المطيعين . * ( رَحِيمٌ ) * بالتفضل عليهم . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورَسُولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّه بِدِينِكُمْ واللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ واللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 ) .